كيف يؤثر تراجع قيمة العملة على حياتك اليومية؟ دليل لتأثيرات الاقتصاد العالمي
لنتفق مبدأيًا على أساس في الاقتصاد، و هو على أنه لا يمكن الجزم في أغلب الأوضاع إذا ما كان تأثير سياسة ما إيجابيًا أم سلبيًا. بدايةً سنعتمد فالمقارنه علي عملة الدولار كمرجعيه، اذا فان انخفاض قيمة العملة في دولة ما أمام عملة أخرى ( الدولار ) يعني أنه سيصبح بالنسبة للمقيمين في هذه الدوله ان قيمة الدولار أعلى و هذا هو أول تأثير مباشر يمكن أن يلمسه الشعب و هو أن سعر الواردات سيزيد بشكل مباشر و كبير و ذلك سيؤثر على القدرة الشرائية لديهم فيشعروا أن الوضع أسوأ، لكن كما يؤثر هذا الانخفاض على المقيمين، فإنه سيؤثر على الأجانب حيث ستصبح قيمة السلع المصنعة في البلد بالنسبة لهم أرخص فيمكنهم شراء المزيد بنفس القدر من المال و بذلك ستنتعش الصادرات، زيادة الصادرات و انخفاض الواردات، سيؤثر في الميزان التجاري حيث سينخفض العجز فيه.لكن هنا هذه هي الصورة المثالية التي تفترض بأن الأشياء المصنعة في البلد تعتمد على مواد خام محليه و لكن هذا ليس هو الحال، فارتفاع أسعار الواردات يشمل أيضًا ارتفاع أسعار المواد الخام فيؤدي إلى ارتفاع سعر السلعة النهائية المحلية.
فالآن، الشعب يشعر بإحساس سلبي فهو يواجه سلعة محلية غالية و سلع مستوردة غالية أيضًا.
انخفاض قيمة العملة يعنى انخفاض سعر صرفها فى مقابل عملات اخرى مرجعية ويسمى ايضا التضخم، هذا يؤثر فى انفاق الدولة على المشاريع التى تستهلك مقدارا ضخما من النقود لتغطية العجز كما يؤثر فى معيشة افراد الشعب اذا كان دخلهم محدودا لان النقود التى معهم لا تشترى الكمية المطلوبة سواء من الغذاء او الدواء او خلافه. انخفاض القوة الشرائية أو قيمة العملة يجعل صادرات الدولة جذابة أكثر للخارج بالتالي يرفع من قدرتها على بيع صادرتها في الخارج.
لكن يؤثر على الدولة التي تستورد أكثر مما تصدر (عجز الميزان التجاري) فيصبح الاستيراد مكلف أكثر.
كيف يتم تحديد قوة العملة لبلد ما ؟
العملات الموجودة اليوم لا علاقة لسعرها باحتياطي الذهب، كل العملات الموجودة اليوم لا ارتباط بينها وبين احتياطي الذهب، آخر عملة تخلت عن غطاء الذهب كان الدولار الأمريكي سنة 1971، ما عرف بصدمة نيكسون.عملة الدولة تعبر عن قوة اقتصادها والانتاج فيها..وأسعارها كأسعار السلع تخضع للعرض والطلب، فكلما زاد الطلب على عملة ما (لاستيراد منتجات الدولة المصدرة لها مثلا) كلما كانت قيمة العملة أعلى، وكلما قل الطلب عليها كلما قلت قيمتها.
قوة العملة تتحدد بميزان الاستيراد والتصدير، إذا كانت أرقام صادراتك (من السلع والخدمات) أعلى من أرقام استيرادك، ستتمكن من ابقاء عملتك قوية ومستقرة، والعكس صحيح.
هناك تفاصيل أكثر من ذلك تتعلق بالسياسات الاقتصادية للدول، و من الممكن للدول ان تثبت أسعار عملاتها لأن لديها احتياطي دولاري عالي، بالتالي تستطيع موازنة سعر العملة ببيع الدولار في سوق العملات، أو تحاول تثبيت سعر عملاتها باغراء المستثمرين بشرائها مقابل (فوائد بنكية). لكن بشكل عام فهذا كله ليس الأصل وليس الحال في الاقتصادات المستقرة، الأصل دائما هو ميزان الصادرات والواردات وحجم الانتاج في الدولة.
كيف ترتفع وتنخفض قيمة العملة ؟
هذه الورقة المزخرفة التي تجتهد كل دولة في حشد كل صور التعبير عن ثقافتها من أهرامات ومساجد وقلاع ومعابد علي كل مليمتر من الورقة - أو بدلا من ذلك تكتفي بصورة الملك - هي ايضا انعكاس للحالة الصحية لاقتصاد هذه الدولة ومدي قوته وصلابته عند التبادل التجاري مع الدول الأخري. ربما من أجل هذا تجد ملوك الدول البترولية يتنافسون في وضع صورهم علي عملاتها في حين يتهرب رؤساء الدول البائسة من هذا.ويتم التعبير عن قيمة العملة بسعر الصرف وهو عدد الوحدات التي تستطيع استبدالها من عملة أخري معينة، فتقول أن الدولار يعادل 16.7 جنيه مصري، أي أن قيمة العملة طرف في يد وطرف عند الشاطئ الآخر من المحيط.
تتحدد قيمة العملة أساسا عندما تتناطح قوى العرض والطلب عليها مولدة شررا هو السعر. ولأن العملة هي وسيلة التبادل التجاري بين الدول، تتأثر قيمتها صعودا وهبوطا بفروق الحالة الإقتصادية بين الدولتين، التي تعكسها العوامل التالية :
- معدل التضخم في كلا الدولتين - ذلك اللص الذي يسرق القيمة من النقود، فمعدل التضخم الأقل يرفع من قيمة العملة مقابل العملات التي تعاني دولها من ارتفاع معدل التضخم.
- سعر الفائدة الحقيقي في كلا الدولتين، فرؤوس الأموال - الأموال الساخنة - تتشمم العالم طولا وعرضا بحثا عن أسعار الفائدة المرتفعة لتستقر هناك. رفع سعر الفائدة يؤدي الي ارتفاع قيمة العملة مقابل عملات البلاد التي انخفضت فيها أسعار الفائدة.
- ميزان المدفوعات الذي يعكس حجم التجارة بين الدولتين والاستثمارات الاجنبية، حيث يعكس الصادرات والواردات و الديون، والعجز الناشئ عن زيادة الواردات عن الصادرات يسبب تدهور في قيمة العملة.
- الديون الحكومية، فالدولة التي لها ديون أكبر احتمال تعثرها كبير، وغير جاذبة لرؤوس الأموال.
- الاستقرار السياسي، كلما زاد الاستقرار السياسي زادت تدفقات رؤوس الأموال وتحسنت قيمة العملة.
- الركود الاقتصادي يتطلب تخفيض أسعار الفائدة ومن ثم نفور رؤوس الأموال الأجنبية وانخفاض قيمة العملة.
- المضاربات Speculation اذا سادت التوقعات بارتفاع قيمة العملة يهرول المضاربون الأجانب نحو اقتناء العملة حتي يحققوا أرباح عند ارتفاع قيمتها. ومن ثم يزيد الطلب عليها وترتفع قيمتها.
كيف تؤثر نسبة الفائدة في ارتفاع قيمة العملة ؟
بالطبع هناك إرتباط وثيق بين نسبة الفائدة ونسبة التضخم وإرتفاع أو إنخفاض قيمة العملة ولفهم هذه العلاقة دعنا نبدأ أولاً بنسبة التضخم فهي نسبة مئوية تعبر عن إنخفاض القوة الشرائية من السلع والخدمات لعملة معينة. مثلاً لو قلت لك إن نسبة التضخم هي 10% فمعناها مثلاً لو كنت بـ100ج تشتري 100ك من سلعة X في العام الماضي ففي هذا العام هذه الـ100ج تشتري لك 90 ك فقط من هذه السلعة وهذا معناه إن القوة الشرائية لهذه العملة إنخفضت بـ10%.أما نسبة الفائدة فهي نسبة مئوية لمقدار العائد الذي ستحصل عليه من البنك مقابل إيداع مبلغ معين من المال لفترة زمنية محددة (سنة).مثلاً لو قلت لك إن نسبة الفائدة هي 10% فهذا معناه أنك ستحصل سنوياً من البنك على 10ج لكل 100ج مودعه عنده.
حيث أن البنك المركزي يطبع العملة بسبب انهيار الاقتصاد المحلي، ويدفع بالعملة الورقية رواتب موظفين الدولة و التزامات كثيرة تتوجب على الدولة شهريا أو دوريا او نصف سنويا أو سنويا.
ولكن عندما يتحسن الاقتصاد ويريد البنك المركزي، سحب الكمية الفائضة مما يسمى بالكتلة النقدية المتضخمة، يغري البنك المركزي اصحاب رؤوس الاموال، بالتخلي عن اموالهم وتجميدها لديه لفترة زمنية محددة (هو يحجزها تقريبا)، مقابل سعر فائدة محدد مسبقاً.
لكن ما هو سعر الفائدة في الاقتصاد ؟
يعرف سعر الفائدة: بأنه ذلك العائد على رأس مال المستثمر من خلال السعر الذي يحصل عليه المرء(عائد على الأموال) جراء تنازله عن التصرف بأمواله الخاصة التي يقرضها للبنك لفترة زمنية محددة، وبذلك يتم سحب الفوائض من العملة فتقل الكمية المعروضة منها بالاسواق. وبما أن النظام الرأسمالي، يعتمد اعتمادا كليا على آليات السوق، فإن العرض والطلب اهم عاملان يحددان الكثير من الامور الإقتصادية في هذا النظام، وبتحجيم الكتلة النقدية ترتفع قيمة العملة بحسب نسبة امتصاص فائض رؤوس الاموال، لذلك يستمر البنك المركزي برفع أسعار الفائدة حتى تؤتي هذه الآلية ثمارها.المشكلة انه رفع الفوائد على رؤوس الأموال من جهة وطبع العملة من جهة اخرى يؤدي إلى تدمير الاقتصاد، كما حدث في لبنان منذ عام 2019 عندما فشلت سياسات البنك المركزي (الهندسات المالية)، هناك في وقف كرة الثلج من التضحم، عندما حاول حاكم المصرف المركزي من جهة طبع العملة ومن جهة اخرى دفع فوائد من العملة المطبوعة الغير ذات قيمة نفسها، لسحب الفائض من الكتلة النقدية المتضخمة.
وبذلك انهارت الدورة المالية المتكاملة، وعجزت الدولة بالنهاية عن سداد ديونها المستحقة، واعلنت افلاسها بشكل من الاشكال.
ماذا يفعل رؤساء الدول حتى يقومون بما يسمى "تعويم العملة"؟
تعويم العملة يعني جعل السوق خاضع لاحكام كمية العرض و الطلب و انها هي من تحدد قيمة العملة مقارنة لغيرها من العمل. و هذا العرض و الطلب عادة يحكمه مدى ثقة المستثمرين و المواطنين بالاقتصاد المحلي.عكس ذلك، هو ربط العملة بعملة اخرى بشكل ثابت، عادة يتم الربط بالدولار الاميركي و تحديد قيمة العملة مقابله، مثلا الريال يساوي كذا دولار، بغض النظر عن قوة الاقتصاد، او الثقة فيه.
الحالاتان لهما اجابيتها و مساوئها، و تغير الحالة امر معقد و حساس لأنه يؤدي الى الكثير من النتائج الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية المتشعبة التي لن اخوض بها.
في الحالة المثالية، يتم فك ربط العملة الوطنية بأخرى، عند زيادة الثقة بالاقتصاد و تجاوز حجم التصدير على كمية الاستيراد. ولكن عمليا، هكذا قرارات تحكمها الجوانب السياسية عادة اكثر من الاقتصادية.
و لتغير الحالة، عادة يقرر ذلك البنك المركزي و الحكومة عند توافق مصالحها من هكذا اجراء، حيث عادة رغبة الحكومة وحدها غير كافي، لان البنوك المركزية كيانات مستقلة عن الحكومة و سياساتها.
كيف تستفيد بعض الدول من تخفيض عملتها؟ وما سبب التفاوت في قيمة العملة؟
دعنا نأخذ مثالاً بالولايات المتحدة والهند ولنفترض أن الدولار الأمريكي الواحد يساوي 10 روبيات هندية (1 دولار = 10 روبيات) ونفترض ايضاً أن الهند تواجه مشكلتين هنا:- الواردات مرتفعة والصادرات منخفضة مما يعني وجود "عجز تجاري"- العجز التجاري = الصادرات - الواردات
الآن، هاتان المشكلتان، كيف يمكن للهند حلهما؟
يمكن للهند خفض قيمة عملتها، كيف يحدث ذلك؟
تذكر أن الدولار الواحد = 10 روبيات
الآن لنفترض أن الهند خفضت قيمة عملتها والآن الدولار الواحد = 20 روبية
إذا كان الشعب الأمريكي يشتري شيئًا يتم استيراده من الهند، والآن مقابل دولار واحد، سيحصل على مواد بقيمة 20 روبية، والتي كانت في السابق 10 روبيات... لذا فهذا أمر جيد بالنسبة لهم، والآن يمكنهم شراء المزيد من المنتجات الهندية بهذا الدولار الواحد، وهو ما سيتطلب بدوره من الولايات المتحدة استيراد المزيد من الهند... لذا فإن الهند تصدر في النهاية المزيد من المواد، وهو ما سيعزز الصادرات.
بالنسبة للمشكلة الثانية، يتعين على الأشخاص الذين يعيشون في الهند دفع 20 روبية مقابل منتج بقيمة دولار واحد، والآن سيشترون عددًا أقل من المنتجات الأمريكية لأنها باهظة الثمن، وهو ما سيؤدي بدوره إلى واردات الهند الأقل من الولايات المتحدة.
لذا، الصادرات مرتفعة، والواردات منخفضة... وهذا ما تريده كل دولة.
كلما كانت الصادرات أقوى من الواردات كلما شهدت العملة المحلية طلبا أكبر وزادت قيمتها، والعكس صحيح كلما اختل الميزان التجاري لصالح الشركاء التجاريين كلما تراجع الطلب على العملة ودفع سعرها إلى الهبوط أمام العملات الأجنبية الأخرى.
